رسائل الإنكار الكيماوية في سوريا

رسائل الإنكار الكيماوية في سوريا

 

 

منذ استخدامه في سوريا أول مرة عام 2012، ما يزال النظام السوري وحلفاؤه ينكرون استخدام السلاح الكيماوي، ويستعملون رسائل متنوعة لتحقيق هذا الغرض.

 ويمكن تقسيم رسائل الإنكار هذه إلى أربعة أقسام، تتداخل فيما بينها بعض الأحيان، وفيما يا يلي تفنيد لكل منها بناءً على تصريحات صادرة عن النظام وحليفيه الروسي والإيراني. 

 

 

 رسائل الإنكار:

نفي حدوث الهجمات الكيميائية نفياً قطعياً.

 

اتهام قوات المعارضة بتنفيذ الهجمات. 

 

التشكيك في المعلومات المتعلقة بالهجمات. 

 

التشكيك في الجهات التي تتولى جمع الأدلة والمعلومات وتحليلها.

 

 

 

تغطي هذه الأنواع الأربعة أغلب تصريحات النظام وحلفائه بهذا الشأن، وعلى هذا يمكن اعتبارها استراتيجيات الإنكار الرئيسية المستخدمة، وفيما يلي استعراض لبعض المواقف والتصريحات التي تندرج تحت هذه الأقسام تباعاً: 

 

نفي حدوث الهجمات الكيميائية نفياً قطعياً:

 

 كثيراً ما استخدم النظام، وحلفاؤه، هذه الوسيلة مع كل مجزرة ارتكبها منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011. وبعد بدء تنفيذ النظام الهجمات الكيميائية ضد المناطق الخارجة عن سيطرته، كانت الرواية الإعلامية للنظام وحلفاؤه دائماً تبدأ بنفي حدوث المجازر الكيماوية.  

ومن أمثلة ذلك تصريحات وزير الإعلام السوري عمران الزعبي بخصوص مجزرة الكيماوي التي ارتكبها النظام في 21 آب (أغسطس) 2013 في الغوطة الشرقية، والتي راح ضحيتها (1144) وأصيب فيها (5935)، عندما قال: "إن الصّور التي بُثت والمعلومات التي أذيعت كلها مفبركة ومعدة بشكل مسبق".

 

 أما وزارة الخارجية الروسية، فقالت بشأن المجزرة نفسها: "إن هناك أدلة مقنعة على فبركة صور لضحايا الهجوم الكيميائي" دون أن تنشر أي دليل على ادعائها.

 

 كما أن وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف "نفى أن تكون هناك مجزرة وقعت" في تصريح له عن المجزرة نفسها أيضاً.

 

 - خلال اجتماع مجلس الأمن في نيسان 2021، قال مندوب النظام السوري لدى مجلس الأمن "بسام صباغ" : “سوريا تؤكّد مجدّدًا أنّها لم تستخدم أسلحة كيميائية، وأنّها عملت مع منظمة الحظر بمصداقية وشفافية لتنفيذ الالتزامات المترتبة عليها”.

في الأسبوع الثاني من نيسان (أبريل) 2018، نشرت وسائل إعلام موالية لنظام الأسد، من بينها قناة "روسيا 1"، صوراً تدّعي أن الهجوم الكيميائي في دوما عام 2018 كان تمثيلاً.

 وقد تبيّنَ لاحقاً أنّ هذه الصور ملتقطة من تصوير فيلم عنوانه "رجل الثورة" للمخرج الموالي للنظام السوري نجدت أنزور. 

أيضاً، في الأسبوع الثالث من الشهر نفسه، نشرت وسائل إعلام روسية لقطات لما وصفتها بمشاهد لفبركة الهجوم الكيميائي على دوما عام 2018 وأيضاً، تبين أيضاً أنها لقطات مأخوذة من فيلم قصير للمخرج المعارض همام الحصري تم تصويره عام 2016.

 

اتهام فصائل المعارضة بتنفيذ الهجمات:

 

 رغم نفي النظام السوري وحلفائه في روسيا وإيران حدوث الهجمات بالأسلحة الكيميائية، في كل مرّة، إلا أنهم سرعان ما يعودون ويتهمون فصائل المعارضة بالمسؤولية عن الهجمات، خاصة بعد أن يصير إنكار وقوعها غير ممكن بسبب كثرة الأدلة.

 

 بالعودة إلى مجزرة الغوطة صيف 2013، كان وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف قد نفى وقوع المجزرة بالأصل، لكنه أضاف أيضاص: "إن كانت الحادثة حصلت، فالمعارضة بالتأكيد من قام بها".

 

أما نائب وزير الخارجية الروسي، فقد قال: "إن موسكو تسلمت من دمشق مواد تفيد بضلوع مسلحي المعارضة في الهجوم الكيميائي".

 

 وفي تصريحات للخارجية الروسية، تم الادعاء أنّ "الصواريخ المحملة 

بالسارين، التي تسببت بالمجزرة، خرجت من مواقع سيطرة المعارضة". لاحقاً، نشرت صحيفة "الغارديان" تقريراً استخباراتياً فرنسياً يتضمن 47 فيديو، تم تصويرها بالأقمار الصناعية، تُظهِرُ لحظة إطلاق الصواريخ 

الكيميائية من مناطق سيطرة النظام السوري باتجاه الغوطة الشرقية.

 

 وخلافاً لتصريحات وزير الإعلام السوري التي نفت وقوع المجزرة قطعياً، قالت المستشارة السياسية والإعلامية لرئيس النظام السوري بثينة شعبان إن "ضحايا مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية، هم أطفال، أحضرتهم قوات المعارضة من قرى الساحل السوري إلى الغوطة الشرقية، وقتلتهم بالكيماوي هناك". 

 

تجاهلت شعبان في تصريحها الحصار الذي كانت تفرضه قوات النظام السوري على الغوطة، والمسافة الفاصلة بين الغوطة الشرقية وقرى الساحل السوري، المقدرة بحوالي 400 كم، وهي الحقائق التي تكفي وحدها لإثبات كذب مزاعمها.

 

 بعدها، في حادثة استهداف خان شيخون بغاز السارين عام 2017، قال مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري: "إن قوات المعارضة تمكنت من تهريب الأسلحة الكيميائية من دول الجوار، وهي من استخدمته في خان شيخون. أو إن الجهات التي أتلفت المخزون السوري في البحر، تركت جزءاً من السليفة السورية (تركيبة المادة) واستخدمته في سوريا، لتتهم النظام السوري، وتتذرع بأن التركيبة المستخدمة في الهجمات هي السليفة السورية". 

 

من جهتها، صرّحت وزارة الدفاع الروسية بخصوص حادثة خان شيخون: "قامت القوات الحكومية السورية بقصف مستودع للسلاح الكيميائي في خان شيخون".

 لاحقاً، أثبتت آلية التحقيق المشتركة، التي تم إحداثها بقرار من مجلس الأمن الدولي، مسؤولية قوات النظام عن ذاك الهجوم.

التشكيك في المعلومات المتعلقة بالهجمات:

 

يلجأ النظام السوري وحلفاؤه إلى هذه الوسيلة من أجل مزيد من التضليل، وخاصة في ظلّ غياب الأدلة[1] على مسؤولية فصائل المعارضة عن الهجمات. يشككون في صحة المعلومات التي قدمتها جهات معارضة عن الجريمة، من حيث؛ أعداد الضحايا، موقع التصوير، الأعراض الظاهرة على المصابين، طريقة الإسعاف وأدواته، سلوك المصابين والمسعفين، آلية التوثيق… وغيرها.

كل ذلك، للادعاء أنّ حدوث الهجوم الكيميائي بالكيفية التي تدّعيها الجهات المناوئة للنظام أمرٌ مشكوك فيه أصلاً، وأنّ الفيديوهات والتوثيقات المرتبطة بالهجوم مسرحيات دبّرتها هذه الجهات مسبقاً، ما يلقي غمامة من التضليل والغموض على المسألة.

في 12 نيسان (أبريل) 2018، أصدرت الخارجية الروسية بياناً بخصوص الهجوم على مدينة دوما بالأسلحة الكيميائية، شكّكت من خلاله في صحة المعلومات المتعلقة بالهجوم، وجاء فيه: "ذُكرَ في البداية مقتل الآلاف، ثم أصبحت الأرقام أكثر تواضعاً، وكان في المواد التي وزعتها المعارضة عددٌ كبير من التناقضات، فيما يتعلق بزمان الهجوم ومكانه". ووصف البيان بأن لقطات الفيديو بـ "غير المعقولة، حيث يظهر فيها الأطفال والكبار وهم يسكبون الماء على بعضهم".

بعد صدور التقرير الثالث لآلية التحقيق المشتركة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة JIM في آب (أغسطس) 2016، الذي أثبت، بشكل قطعي، استخدام نظام الأسد السلاح الكيميائي مرتين، قال مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة بشار الجعفري: "الاستنتاجات الواردة فيه لم تكن مقنعة، لأنها مبنية بصورة مطلقة على أقوال الشهود المقدمين من الجماعات الإرهابية المسلحة أو من البيئة الحاضنة لها"وردّاً على التقرير

 ذاته، شكّك السفير الروسي لدى الأمم المتحدة تشوركين في النتائج قائلاً: "لا تزال عددٌ من المسائل بحاجة إلى توضيح قبل قبول النتائج"، دون توضيح ما هي تلك المسائل أو إذا ما كان الجانب الروسي قد راسلَ الآلية المشتركة حولها؟

بعد صدور تقرير آلية التحقيق المشتركة، الذي أثبت استخدام النظام السوري لغاز السارين عند استهداف مدينة خان شيخون، تساءلَ مساعد المندوب الروسي في الأمم المتحدة: كيف لتقرير يدين الأسد أن يتضمن عبارات مثل "مرجح" و"محتمل" و"على ما يبدو". كما قال مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة: "لجان التحقيق منحازة، ومسيسة، ولا أخلاقية. تبرع في عملها باستخدام شهود زور، ومصادر مفتوحة، وأدلة مفبركة، والتلاعب بالمعلومات، وتستخدم عبارات ماكرة".

نائب المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة فلاديمير سافرونكوف، وخلال حديثه عن هجوم النظام السوري بغاز السارين على خان شيخون، شكّك في وقوع "هجوم من هذا النوع"، ووصف الصور التي بثها ناشطون وعمال إغاثة على الإنترنت بأنها "ملفقة"، ذلك على الرغم من ظهور عشرات الأطفال الذين ماتوا بسبب أعراض مُلازِمة لِصعوبة التنفس جراء استنشاقهم غازات سامة.

 

التشكيك في الجهات التي تتولى جمع الأدلة والمعلومات وتحليلها:

 

بعد أن تصدر إدانات بحق النظام السوري من قبل منظمات وهيئات ولجان

 تحقيق دولية، وبعد أن يتم إثبات تورط النظام السوري باستخدام الأسلحة الكيميائية، يُسارع النظام السوري وحلفاؤه للتشكيك في نزاهة ومهنية هذه المنظمات والهيئات واللجان.[2]

يَصفُ النظام السوري منظمة هيومن رايتس ووتش بأنها "أداة بيد الغرب" بسبب تقاريرها التي تشير إلى تورطه بارتكاب مجازر بالأسلحة الكيميائية. والطريقة ذاتها تستخدمها روسيا للطعن في نتائج التحقيقات التي تصدر عن الهيئات والمنظمات الدولية.

من أمثلة ذلك أنه بعد تداعيات قضية "تسريب مراسلات المحققين" حول الهجوم الكيميائي في دوما، تحدثت الخارجية الروسية عن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وقالت "هناك شعور بأن الأوضاع غير الطبيعية، أصلاً، داخل المنظمة لا تزال تتدهور بشدة". فيما قال رئيس الوفد الروسي في مؤتمر "حظر الكيميائي" أوليغ ريزانتسيف: "إن التقرير الذي نشرته المنظمة في آذار (مارس) 2019 (بما يخص الهجوم الكيماوي على دوما) يُحرّف الواقع، وهو يعتمد على آراء أشخاص تم توظيفهم من خارج المنظمة".

كما وصفت "الخارجية الروسية" نتائج التحقيق في الهجوم الكيميائي على خان شيخون 2017 "بالسطحي، وغير المحترف، وعمل الهواة". ووصف مندوب النظام السوري لدى الأمم المتحدة بشار الجعفري تقرير آلية التحقيق المشتركة بأنه "غير حيادي، ولا مهني"، مضيفاً أن آلية التحقيق "استخدمت شهود زور، ومصادر مفتوحة، وأدلة مفبركة، وتلاعبت بالمعلومات".

ومن المنظمات التي يهاجمها النظام السوري وحلفاؤه باستمرار منظمة الخوذ البيضاء (الدفاع المدني)، وهي التي تحمل على عاتقها إنقاذ المصابين، وانتشال الضحايا، بعد عمليات القصف والتدمير التي تقوم بها قوات النظام السوري، وقوات حلفائه الروس والإيرانيين. وقد قادت روسيا حملة كبيرة لشيطنة "الخوذ البيضاء" ووصفها بأنها جزء من تنظيمات إرهابية، خاصةً بعد الفيلم الذي أعطاها شهرة واسعة، وأظهر طبيعة عملهم وخطورته.

وقد أعدّت قناة "فرانس 24" تقريراً فنّدت فيه هذه الادعاءات، وبينت؛ ما هو صحيح، وما هو كاذب وما هو غير مؤكد.

بعد صدور التقرير الأول "لفريق الآلية المشتركة" في 8 نيسان (أبريل) 2020، الذي حمَّلَ النظام السوري مسؤولية الهجمات التي تعرضت لها بلدة اللطامنة في ريف حماة بأسلحة كيماوية عام 2017، تمكنت روسيا عبر حق الفيتو الذي تملكه من منع تمديد عمل "الآلية الدولية المشتركة"، وهاجمت التقرير ومنظمة حظر اﻷسلحة الكيميائية وفريق التحقيق التابع لها، معتبرةً أنه "تجاوز صلاحيات مجلس اﻷمن" تحت "ضغط دول" لم تُسمّها. وقالت المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في مؤتمر صحفي إن "دائرة ضيقة من الدول ذات المصلحة فرضت تشكيل فريق للتحقيق خلافاً للبنود الأساسية لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية وأعراف القانون الدولي المعترف بها".

كذلك استغلت روسيا والنظام السوري ما نشرته صحيفة الديلي ميل البريطانية حول "مراسلات بعض محققي بعثة تقصي الحقائق في دوما"، التي تضمنت حديثاً عن تلاعب بنتائج التحقيق. وبحسب التسريبات، فإن محققاً لم تُكشَف هويته عبّر في رسالته الإلكترونية عن "قلقه الشديد"، مؤكداً أن تقرير المنظمة "يُحرّف الوقائع" ويعكس "انحيازاً غير متعمد". وقد عملت روسيا والنظام السوري على الترويج لتلك التسريبات، بهدف إثبات أن تقرير بعثة تقصي الحقائق الصادر عام 2019 غير صحيح ومغاير للواقع، وذلك لتقوية الرواية التي تقول إن الهجوم على دوما مفبرك.

تعليقاً على التسريبات، قال رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيماوية فرناندو آرياس إن "المفتشين (أ) و(ب) ليسا مخبرين[3].. إنهما شخصان لم يتمكنا من تقبل أن وجهة نظرهما ليست مدعّمة بالأدلة"، مؤكداً أن سلوك هذين المفتشين "أكثر فظاعة[4] لأنه كانت لديهما بشكل جليّ معلومات غير مكتملة عن تحقيق دوما". وأعلن آرياس عن إجراء تحقيق داخلي للنظر في تسريب وثيقة داخلية، كما أنه أكد ما خلصت إليه المنظمة بشأن هجوم دوما في نيسان (أبريل) 2018 الذي أودى بحياة 40 شخصاً.

 

* * * * *

 

يبدو واضحاً [5]من استعراض أمثلة على الأنماط الأربعة من رسائل الإنكار أن خطاب النظام وحلفاؤه لا يهدف إلى كشف الحقيقة بشأن أي هجوم كيماوي، بل يهدف إلى التشويش والتضليل وجعل معرفة الحقيقة أمراً بالغ الصعوبة. ليس هناك رواية موحدة على ألسنة النظام وحلفائه، بل روايات ومزاعم متشابكة، ومتناقضة أحياناً، لا تسعى إلى شيء سوى إلى إخفاء الحقيقة تحت طبقات من الأكاذيب.

 

 

 

 

 

 

تصريحات عمران الزعبي وزير إعلام النظام: https://2u.pw/BlVU9

تصريحات وزارة الخارجية الروسية عن فبركة الهجوم الكيميائي: https://2u.pw/paFCB

مقال يتضمن تصريحات جواد ظريف بخصوص نفي وقوع مجزرة كيماوي الغوطة: https://2u.pw/4L6ed

مقال للصندي تايمز: عن استخدام روسيا اللقطات الدرامية من فيلم كيماوي للمخرج همام الحصري: https://www.thetimes.co.uk/article/russia-uses-images-from-humam-husari-film-chemical-to-prove-douma-gas-attack-was-hoax-9vgslmbl2

تصريحات مندوب النظام لدى مجلس الأمن "بسام الصباغ" عن نفي استخدام النظام السوري الاسلحة الكيماوية: https://2u.pw/aMpgs

تصريحات نائب وزير خارجية روسيا عن اتهام المعارضة بالمسؤولية عن هجوم الغوطة: https://2u.pw/pBWB3

رابط تقرير فرنس 24 عن الخوذ البيضاء: https://2u.pw/yVvy6

رابط تقرير فرنس 24 عن تصريحات رئيس منظمة حظر الأسلحة الكيميائية